Showing all 4 results

نحو مجتمع الحرية

EGP60.00

فهذا كتاب شرعت في تأليفه منذ سبعة أعوام ، وما أن استجمعت له في نفسي العناصر الضرورية لإتمامه ، حتى أوقفني ظرف مفاجئ ، لا مجال لروايته خاصة في مقدمة كتاب ، إنما يكفي أن أقول أنه ظرف يتعلق بالصراع من أجل الحرية ، وأنه اضطرني إلى إعادة ترتيب بعض أفكاري والعزم على تأجيل البحث في موضوع الكتاب .. و حين هدأ عقلي بعد الكثير من المخاطر والشقاء عزمت على العودة إلى البحث مرة أخرى ، وكان قد مرّ عامان ، ووجدت نفسي أؤجل العمل يوماً بعد يوم .. ربما لأني كنت أدرك حين قررت العودة مقدار الصعوبة في الرجوع إلي البحث من جديد ..!!

نعم .. لقد وجدت كلماتي بعينها ، وأفكاري ذاتها ، لكني حينما حاولت أن أجمعها ، اكتشفت أني أكتب من جديد ، في إطار فقط من نقاط إرشاد ، أو علامات تعين على الاهتداء إلى العناصر الكامنة في نفسي ، فهممت أن أتركها ، وأكتفي بالذكرى .. ولكني وجدت فكرة البحث لا تفارق كياني ، لا أستطيع تجاهلها ، ولا أقدر على مواصلة الحياة مع استبعادها ؛ فقررت متابعة القراءة ، وإعطاء القضية مزيداً من التفكير ، ليقيني بأن البحث عن الحقيقة لن يكون خطأ أبداً ، وإنما الخطأ هو الافتقار إلى الشجاعة للسير إلى حيث تقود تلك الحقيقة .!!
وبدأت البحث من جديد .. بحثت لفترة طويلة كنت فيها كصريع من ظمأ الفكرة يبحث عن نقطة من ماء التجارب ليروي بها صحراء جهله .. أقرأ أكثر المؤلفات مرة وثانية ، وثالثة في بعض الأحيان دون أن أجد في ذلك كلفة ، أوينقص التكرار شيئاً من متعتي بالقراءة لأنني كنت أفهم في الثانية ما يبهم عليّ في الأولي ، وأنفذ في الثالثة إلي ما يغيب عني في الثانية ..
لقد كنت أدرك أن بعض الأفكار كالصيد الكسيح يطالها كل ذي قلم ، وبعض الأفكار كالغزال الشرود تبصره ، وبالكاد تصيده .. وكانت فكرة ” ميلاد مجتمع الحرية ” تتحرك أمام عيني ، أدقق فيها النظر وبالكاد أراها ، فأطاردها وأحاول اقتناصها ، وأشعر بها تهرب مني ، فتختبئ ، وأحاول اكتشاف مكانها ، ولا أزال أتتبعها حتى أبصرها ـ بعون الله ـ وأمسك بها .. وبقيت على هذه الحال أبحث بجدٍ لا يفارقني الإصرار ليل نهار ، عن خيط يمكن أن يقودني ـ بتوفيق الله ـ ” من التيه إلي الرشاد ” ، ويدفع بأفكاري إلى الخطوات الأولى ” نحو مجتمع الحرية “..

ومنّ الله عليّ ، فانصهرت مكونات هذه الأفكار بنار تلك المعاناة التي كنت أشعر معها وكأني أدفع الأعداء بيدي المنفردة .. فكانت أيام البحث ـ مع صعوبتها ـ من أفضل أيام حياتي ..!! بل إنني نسيت أثناء البحث غربتي من خلال التفاعل مع الأفكار الموجودة في الواقع ، والمدونة في بطون الكتب ، فأخذت أجمع هذه الكنوز لكي تكون في متناول كل غيور على الإنسان ، كل الإنسان ، في الأرض كل الأرض ..
وبقيت على هذه الحال سنوات تشعبت فيها النقاط الأساسية من هذا البحث حتى استوت ـ بتوفيق من الله ـ في صورة شبكة مترابطة من الأفكار ، أحاول من خلالها الوصف ، والتحليل النفسي الدقيق للواقع ، واستخدام ذلك لتغيير ما بالأنفس ، ليغيّر لله ما بها .. كل ذلك من خلال خطوات يتوحد فيها الفكر والممارسة ، والتنظير وتغيير الواقع ، لبيان أزمة الحرية التي يعيشها الإنسان في العالم أجمع ، وتوضيح أسباب حدوثها ، وطرح تصور لكيفية الخلاص منها ..
ولقد انطلقت في هذا الطرح من الإسلام كقاعدة فكرية تُعنى بتحرير الإنسانية جمعاء ، وترتقي إلى مستوى الأحداث الإنسانية ، وترفع الوعي إلى المدى العالمي الكاشف لقوانين الكون والحياة ، لترى سنة الله وهي تعمل فى الوجود الإنساني ..

(د. محمد محمد بدري – من مقدمة الكتاب)